سيد محمد طنطاوي

130

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله - تعالى - : * ( الشَّمْسُ والْقَمَرُ بِحُسْبانٍ ) * بيان لنعمة رابعة من نعمه - تعالى - التي لا تحصى . والحسبان : مصدر زيدت فيه الألف والنون ، والمراد بحساب دقيق ، وتقدير حكيم ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف . . أي : الشمس والقمر يجريان في هذا الكون ، بحساب دقيق في بروجهما ومنازلهما ، بحيث لا يشوب جريهما اختلال أو اضطراب ، وبذلك يعرف الناس السنين والشهور والأيام ، ويعرفون أشهر الحج والصوم ، وغير ذلك من شؤون الحياة . . . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ، ولَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ ، وكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ « 1 » . ثم قال - تعالى - : * ( والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ ) * والمراد بالنجم هنا - عند بعضهم - النبات الذي لا ساق له ، وسمى بذلك . لأنه ينجم - أي يظهر من الأرض - بدون ساق . ويرى آخرون : أن المراد به نجوم السماء ، فهو اسم جنس لكل ما يظهر في السماء من نجوم . ويؤيد هذا الرأي قوله - تعالى - : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه يَسْجُدُ لَه مَنْ فِي السَّماواتِ ومَنْ فِي الأَرْضِ ، والشَّمْسُ والْقَمَرُ والنُّجُومُ والْجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوَابُّ ، وكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ، وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْه الْعَذابُ . . . « 2 » . والشجر : هو النبات الذي له ساق وارتفاع عن وجه الأرض . والمراد بسجودهما : انقيادهما وخضوعهما للَّه - تعالى - كانقياد الساجد لخالقه . . قال ابن كثير : قال ابن جرير : اختلف المفسرون في معنى قوله : * ( والنَّجْمُ ) * بعد إجماعهم على أن الشجر ما قام على ساق ، فعن ابن عباس قال : النجم : ما انبسط على وجه الأرض من النبات . وكذا قال هذا القول سعيد بن جبير ، والسدي ، وسفيان الثوري ، وقد اختاره ابن جرير . . وقال مجاهد : النجم - المراد به هنا - الذي يكون في السماء ، وكذا قال الحسن وقتادة ، وهذا القول هو الأظهر . . . « 3 » . وقوله - تعالى - : * ( والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ الْمِيزانَ . . . ) * أي : والسماء أوجدها بقدرته مرفوعة بدون أعمدة ، وأنتم ترون ذلك بأعينكم .

--> ( 1 ) سورة يس الآية 40 . ( 2 ) سورة الحج الآية 18 . ( 3 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 270 .